عبد القاهر الجرجاني

150

دلائل الإعجاز في علم المعاني

والشريكين ، وبحيث إذا عرف السامع حال الأوّل عناه أن يعرف حال الثاني . يدلّك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب ، ولا هو ممّا يذكر بذكره ويتّصل حديثه بحديثه ، لم يستقم . فلو قلت : " خرجت اليوم من داري " ، ثم قلت : " وأحسن الذي يقول بيت كذا " ، قلت ما يضحك منه ، ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله : [ من الكامل ] لا والّذي هو عالم أنّ النّوى * صبر وأنّ أبا الحسين كريم " 1 " وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى ، ولا تعلّق لأحدهما بالآخر ، وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك . واعلم أنّه كما يجب أن يكون المحدّث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدّث عنه في الأخرى ، كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشّبيه والنظير أو النقيض للخبر عن الأوّل . فلو قلت : " زيد طويل القامة وعمرو شاعر " ، كان خلفا ، لأنه لا مشاكلة ولا تعلّق بين طول القامة وبين الشّعر ، وإنما الواجب أن يقال : " زيد كاتب وعمرو شاعر " ، و " زيد طويل القامة وعمرو قصير " . وجملة الأمر أنها لا تجيء حتّى يكون المعنى في هذه الجملة لفقا " 2 " لمعنى في الأخرى ومضامّا له ، مثل أنّ " زيدا " و " عمرا " إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة ، كانت الحال التي يكون عليها أحدهما ، من قيام أو قعود أو ما شاكل ذلك ، مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير شكّ . وكذا السبيل أبدا . والمعاني في ذلك كالأشخاص ، فإنّما قلت مثلا : " العلم حسن والجهل قبيح " ، لأنّ كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحا . واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحدا كقولنا : " هو يقول ويفعل ويضرّ وينفع ، ويسيء ويحسن ، ويأمر وينهى ، ويحلّ ويعقد ، ويأخذ ويعطى ، ويبيع

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 282 ) من قصيدة يمدح فيها أبا الحسين محمد بن الهيثم بن شبانة ، وقبله : زعمت هواك عفا الغداة كما عفت * منها طلول باللوى ورسوم والبيت في مفتاح العلوم للسكاكي ( 381 ) ، والإيضاح ( 149 ) ، وأورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ( 122 ) ، وعزاه إليه ، والطيبي في شرحه على مشكاة المصابيح بتحقيقي ( 1 / 87 ) ، وشرح الصولي للديوان ( 2 / 419 ) ، ومعاهد التنصيص ، وانظر نهاية الإيجاز ( 323 ) ، وعقود الجمان ( 173 ) والصبر : عصارة شجرة حامض . ( 2 ) لفقا له : لفق الثوب يلفقه : ضم شقة إلى أخرى . القاموس " لفق " ( 1190 ) .